بقلم/ محمد عبد الصمد الهجري

باحث في فلسفة الدين والكلام الجديد

Alhagary@hotmail.com

المسوِّغات هي إحدى وظائف المنهج الإجرائية التي يضطلع بها المنهج في معالجة موضوعاته، وتُعَدُّ إحدى المكونات الأساسية في كل منهج موضوعي متماسك، وتُشْهَرُ هذه المفردة في لغة الوسط الفكري السائد بـ:«المبررات» ومشتقاتها: برر يبرر تبريراً، على الرَّغم من التحفظات التي يبديها أهل اللغة نحوها.

وللحديث عن الآلية الإجرائية لهذا التَّسويغ المعرفي، يمكن القول إنه يتم من «خلال المبادئ التي تعتمد عليها المعرفة، أو من خلال المسائل المطروحة فيها، أو النتائج المترتبة عليها وذلك بالبرهان والاستدلال، ويعتمد في ذلك على عنصري الجدوى والفائدة في القضايا ذات الواقع العملي وعلى الاستدلال في القضايا النظرية البحتة، والتبرير في النوع الأول يرمي إلى إثبات مدى الجدوى ومقدار الفائدة المترتبتين على إجراء ما أو عمل ما، وهذا يتطلب بدوره الأرقام والنتائج الملموسة ولا يكفي مجرد البحث النظري من دون الاستناد إلى الحقائق والوقائع، في حين أن التبرير للقضايا النظرية يعتمد من ناحية على إثبات الانسجام الداخلي في فكرة بذاتها بمعنى عدم وجود تناقضات منطقية فيها-كما يقول (إيان بابور)- وعلى مدى توافقها المبدئي والواقعي مع الأفكار والنظريات الأخرى القائمة والثابتة من ناحية أخرى.

 ثم إن التبرير ينبغي أن يكون منطلقاً من مسلمات معرفية حتى يكون مقبولاً لدى الآخر، وأما التبرير الذي يعتمد فقط على مسلمات الباحث فهو ليس تبريراً معرفياً وإنما تبرير ذاتي وشخصي لا يقنع الآخر ولا يساهم في مجال المعرفة(1).

ولمقاربة مسوغات تمثيل الأنبياء وتجسيد شخصياتهم- في عصرنا- في بعض المسلسلات الدينية عبر بعض الممثلين، فإنه يتوجب النَّظر للمسائل المستشكلة في هذا التجسيد من خلال الاستناد إلى المبررات المعرفية المنظوية تحت الفرعين المذكورين آنفاً، وعلى ضوئهما العام سوف نُجري هذه العملية هنا، وذلك بالإتكاءة أولاً: على أدلة المانعين نقضاً وتشريحاً، وثانياً: تشييد الاحتجاج على أنقاض أدلتهم الواحد تلو الآخر، ثم باستصحاب دليل البراءة الأصلية المضموم إليه أهم الدواعي العصرية الملحة.

ومن خلال نموذج مسلسل يوسف الصديق(ع)، وما أثارته بعض المواقف الفقهية إزاءه، والتي خرجت بصور فتاوى تجاه هذا المسلسل خصوصاً هنا في اليمن، نحاول مقاربة الخلاف من زاوية المبيحين لظهور شخصيات من الوسط الفني تقوم بدور الأنبياء أمام كاميرات التصوير، كون الموضوع من الزاوية الأخرى قد سمع النّاس دعوتها وأدلتها، ولم تُسْمع من الآخر رؤيته وحقيقة موقفه، واعتمدت هنا في عرض مستندات المنع بما قدمه –أحد مشايخ السلفية الوهابية في اليمن-(2)  في خطبة جمعة خصصها لهذه المسألة، حيث سلك في إبراز مستنداته عبر قائمة نقدية لبعض المظاهر الداخلية للمسلسل، والتي لخصها له تقرير أحد طلابه، ممن تفرّغ لمشاهدة المسلسل، وخلُص الشيخ في فتواه بالحكم على المخرج والممثلين وقناة الكوثر وكل من له صلة بهذا العمل بأن أقل ما يقال عنهم: فسقة إن لم يكونوا كفاراً!! وأن فعلتهم أخطر من الإساءة الدنمركية إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

 قلت: فماذا لو ضممنا إلى هذا الحكم رأي السلفية الخاص بمذهب الإثنا عشري وهو مذهب الممثلين والمخرج وكاتب السيناريو والمنتج والشركة، فإن الحكم بالتكفير بات قطعياً حينئذ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 وعليه نقول:

1- جَمهرة السلفية التقليدية -ومنها الشيخ المذكور طبعاً- ترفض التمثيل من أساسه ولا تجوّزه -أكان للأنبياء أمْ لغيرهم- كما تحرّم صورة التلفاز من أصلها، فكيف ساغ الاعتراض بنقاش التفاصيل مع كفايته في إقناع مستمعيه وأتباعه بنقض المسألة من عنوانها -كما هو المعتاد في نقاشاتهم- فالأمر وإن كان لا يعني تراجعاً عن المواقف السابقة من التمثيل والتلفاز إلا أنها تدل على قلق الكفاية السابقة، وتؤشر لمدى تزايد الضغط الاجتماعي على تلك الفتاوى التي تجعل صورة التلفاز، أو غيره حراماً أياً كانت (ثابتة أو متحركة)، ما جعل تلك المواقف الإفتائية السابقة عبئاً ثقيلاً عليهم، لعدم انسجامها مع الواقع وانسياقات المجتمعات في حركتها التاريخية، وتشير إلى قرب الانفراج بالتسليم للأمر الواقع وإكراهاته، وعلى كل فإن النوبة المنهجية لا تصير إلى نقاش التفاصيل إلا بعد التَّنَزُّل -بالتسليم الجدلي على الأقل- بجواز التمثيل وصورة التلفاز.

2- ذكر الشيخ –حسب تقرير طالبه- بأن أولى المخالفات الشرعية في المسلسل افتتاحه بآيات قرآنية مصحوبة بموسيقى!!، وهذا كلام لا أساس له من الصحة وهو من اشتباهات الطالب صاحب التقرير أو من صنائعه لنفخ التقرير وتكثير فقراته، وإلا فالواقع أنها كانت تلاوة جماعية مجودة بالمقامات الصوتية المشهورة لمطلع سورة يوسف عليه السلام.

3- جاء في التقرير أن من مخالفات المسلسل الشرعية أنه أظهر انحناء يوسف(ع) للملك، وهذا التّوصيف غير صحيح فلم نرَ ذلك رغم تتبعنا الدقيق، بل إنه أظهر العكس من عدم رضاه وكراهته لهذا العرف، بل حاول المسلسل إظهار نبي الله مخالفاً للعرف السائد عند الشعب المصري في انحنائهم لملوكهم، ولا أدري فلعل صاحب التقرير قصد أن يقول: «إن المسلسل أظهر انحناء ولد الملك حال صغره -والذي صار ملكاً فيما بعد- وهو ينحني ليوسف»، ثم إن خطأ هذا الوصف لا يظهر إلا من جانب الشريعة الخاتمة، وهو لا يعني أنه خطأ في الدِّيانة الإِبراهيمية آنذاك، ثم أَلَم يسجد ليوسف أبويه وإخوته -كما نقله القرآن الكريم- وطبقاً لما اختارته السلفية من أن السجود كان جائزاً في شرع من قبلنا، فهو فعل أعظم من الانحناء، وجوابكم عنه هو جواب المعترَض عليهم، على أن المعترَض عليهم رأوه سجوداً لله وليس ليوسف، فلم يطال اختيارهم -على سبيل المثال- الإشكال القائل بوجود نسخ في أصول العقائد، وانعدام الوحدة العقائدية التامة بين ما جاء به الرسل والأنبياء هذا من جانب، ومن جانب آخر فيما لو مشينا الاختيار السلفي فإن منهج محاكمة الشريعة في تفاصيل العقائد غير لازم بالشرعة المحمدية، وأن الوحدة العقائدية المرادة هي الإجمالية. وعلى كل إن سلمنا بصحة ما جاء في هذه الفقرة من التقرير فإن الانحناءة لا تعدو أن تكون تحية عرفية في ذلك الزمن أمضى عليها الشرع اليوسفي بالإقرار فلا مجال للنكير، أو لمحاكمة شرائع المتقدمين بشرعة القانون المحمدي )لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا((المائدة:48).

4- بالنسبة لما جاء في التقرير الراصد للمخالفات الشرعية في المسلسل من إظهار صورة جبريل (ع) في صورة بشرية، من خلال ممثل يقوم بهذا الدور، واستحالة ذلك. مدخل مقاربة هذه النقطة أولاً: مناظرتها بما حدث في صدر النبوة في تمثل جبريل- عليه السلام- بالصورة البشرية؛ ما يعني عدم استحالة ذلك، بل إن الروايات- عند عامة الفرق الإسلامية(3)  عينت تمثله بدحية الكلبي- رضي الله عنه- وهو ما يفتح آفاقاً للمسألة أوسع مما يضيقه فقهاء السلفية -كالشيخ المذكور- ألم يظهر جبريل للصحابة متشخصاً بهيئة بشرية؟! كما في حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في «صحيح مسلم» وفيه قوله – صلى الله عليه وآله وسلم- :»إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» وفي الحديث حاول عمر أن يوصفه= يمثله من خلال الكلمات، قائلاً عن هذه الشخصية المتشخصة: «إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد….الخ»  فضلاً عمّا يستكنه الحديث من دلائل إن أمعن القارئ في تأملها.

5- أما فقرة التقرير التي تتحدث عن ظهور النساء أمام الملأ، وتزعم أنهن سافرات وأن ذلك إحدى المخالفات الشرعية، فإن مقاربة الواقع الاجتماعي تعتمد على التاريخ والواقع، ولا أدري ما وجه الإنكار ما دام أن الدراما استحضرت الحجاب في جميع مشاهدها النسوية وهذا يحسب لها لا عليها، ويعد من إيجابياتها لا من سلبياتها، وأما دعوى السفور فهو ناشئ من مذهبهم المبتدع في الحجاب، باعتبار أن كشف الوجه في حد ذاته سفور.

6- محاكاة النبي وإتباعه أمر يلزمنا به الشيخ المذكور في غاية دعوته وخطاباته، وهذا الإتباع الذي لا يفترق عن معنى المحاكاة –عند السلفية- معناه إلزامنا بالسعي الكامل للاقتراب من تجسيد النبي الذي يشمل سائر أعماله الشخصية كطريقة شربه ولبسه وكحله وامتشاطه وتنعله، فهي محاكاة في كل شيء إذن، خلافاً لأولئك الذين يرون أن من الواجبات الدينية هو بسط تجربته النبوية المعنوية لا الظاهرية الحسية كما في دعوة السلفية المتصلبة عند الظواهر. وعلى كل فإن هذه المحاكاة تتجلى في شخصية الصحابي عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- كشكل من أشكال المحبة والإتباع والمتابعة الحرفية حيث كان يتتبع الأماكن والمواضع التي كان يصلي فيها النبي-صلى الله عليه وآله وسلم- وينام ويجلس فيها في حله وترحاله، ونفذها غيره كشكل من أشكال التعليم كتعليم الوضوء –كما في حديث عثمان -أو تعليم الصلاة- كما جاء في حديث :» أشبهكم صلاة برسول الله»  أو خبر :»هكذا صلى رسول الله»، وغيرها التي لا تقتضي إلا صورة بشرية واحدة، فالألباني في كتابه :»صفة صلاة النبي من التكبير إلى التسليم كأنك تراها» لها مخرج تجسيدي واحد ولا بد، بمعنى أن كل من يصلي يجسد النبي في قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي».

7-  التمثيل كغيره من الأساليب الفنية كالأدب والكتابة له غرض يروم إظهاره في جوانب معينة لمن يتعرض لهم، فكان الغرض الأساسي من المسلسل إبراز حقيقة دعوات الأنبياء وطرائقهم في المجتمع والأفراد ولا فرق بين من يظهر ذلك بأي وسيلة كانت، فالذي يبرز سيرة نبي بالكتابة لا يفترق عمله عن الذي يظهره بالتمثيل، إذ الكتابة تمثيل وتصوير للواقع عبر الكلمات والمفردات وهو عمل اجتهادي، وكذا تمثيل وتصوير الواقع عبر العمل الفني الدرامي عمل اجتهادي، وتحريم أحدهما يلزم منه تحريم الآخر.

8- تقنية الأداء الفني لنقل أي صورة قد تحتاج على نوع تمثُّل، ومن ذلك ما فعله الإمامان الحسن والحسين(ع) عندما وجدا رجلاً لا يحسن الوضوء، فعمدا إلى إقامة نموذج تعليمي (فخطأ أحدهما وضوء الأخر)، واجتمعا إلى الرجل ليحكم بينهما أي وضوئهما هو الصحيح، فلما رأى صورة وضوئهما أدرك خطأه فقال أنا من عليه أن يسبغ وضوءه.

9- إن لتبليغ المعارف الدينية في عصر العولمة وفي الواقع المعاصر وسائل غير محدودة ووسيلة الأعمال الدرامية في أداءاتها الفنية المنضبطة الهادفة -كما رأينا في مسلسل يوسف (ع)- والذي لاقى نجاحاً واستحساناً منقطع النظير، وإذا كان الغرب قد استطاع غزونا بهذه الوسائل فلا بد أن نغزوهم قبل أن يغزونا فقد جاء عن الإمام علي(ع) : «وما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا» ثم إنه من خلال هذه الوسائل نستطيع إبلاغ الدين وحقائقه وإزالة ما التبس عنه في منحى جديد، ليس بالأسلوب الخطابي الذي لا يصل أبعد من صوت المتكلم لجماهيره المحدودة، بينما هذه الأعمال تصل إلى قاعدة جماهيرية أعرض، ولا تقف اللغات حاجزاً أمامها، ويحضر هنا حملات التشويه العالمية ضد الديانات والأنبياء ورموزها وربطهم بما لا صلة لهم به- كما تم ربط الإسلام بالإرهاب- عبر حملات منظمة تحترف الأكاذيب وتمتهن الدعايات، ومواجهة هذه الحملات لا يمكن أن تتم بصورة تقليدية بدائية، فإنها لا يمكن أن تصل تردداتها إلى المساحات المطلوبة، ونظراً لأن الطريقة الدرامية استطاعت إيصال الرسالة الإنسانية لحضارة الأنبياء مع أقوامهم، وأوصلت رسالة للعالم بأن الحضارات التي شيدها الأنبياء هي إحدى الأساسات التي أوصلت العالم إلى حقائق الوجود والحياة.

 

(1)               محمد مصطفوي: «أساسيات المنهج والخطاب في درس القرآن وتفسيره» ص39-40، الناشر: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى 2008م.

(2)                وهو الشيخ محمد بن عبد الله الريمي الملقب بالإمام، شيخ المركز السلفي بمدينة معبر، في خطبة جمعة في التحذير من قناة الكوثر الفضائية.

(3)               رواه البخاري (3634)، ومسلم (2451). وللمزيد من الروايات انظر ما أخرجه أحمد في « المسند» (6/142، 146) وما ذكره البيهقي في دلائل النبوة (7/66)، و ابن سعد  في«الطبقات» (3/422). وانظر: «الكافي» للكليني (2/587 ح25)، و«الأمالي» للشيخ الصدوق ص426 برقم (562). و: «شرح الأخبار» للقاضي النعمان المغربي (1/201) برقم (165).

بواسطة : thakafatuna

شاهد جميع مقالات

مقالات ذات صلة

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك المُفضل

إستفتاء

مارأيك بالشكل الجديد للمجلة ..؟

مشاهدة النتائج

Loading ... Loading ...

القائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية ليصلك كل جديد