عبدالله بن علي الحمزي

إن شرف الإنسان وفضيلته التي فاق بها جملة من أصناف المخلوقات باستعداده لمعرفة الله تعالى التي هي في الدنيا جماله وكماله وفخره، وفي الآخرة عدته وذخره هو: العقل فإنه إنما يتسعد لمعرفة الله بعقله، لا بجارحه من جوارحه. فالعقل هو العالم بالله تعالى، وهو العامل لله، والساعي إلى الله، والمتقرب إليه. والجوارح إنما هي أتباع وخدم له وآلات يستخدمها العقل ويستعملها استعمال الملك للعبيد والراعي للرعية. ويشتمل على لطائف وأسرار نشير إليها في بيان الخاصية لعقل الإنسان ومثاله وجنوده بعون الله تعالى نوردها كالآتي:

فأما الخاصية فاعلم أن الله تعالى قد أنعم على سائر الحيوانات سوى الآدمي بالشهوة والقدرة والحياة والحواس الظاهرة كالسمع والبصر، حتى أنه ألهمها إلى ضروب من الإلهامات العجيبة مما يكون فيه مصالح لها ومصالح للعباد، لكن الآدمي قد خص الله عقله بخصائص لأجلها عظم شرفه واستحق القرب من الله عز وجل وهذا هو: العلم بالأمور الدنيوية والأمور الأخروية والحقائق العقلية فإن هذه الأمور وراء الأمور المحسوسة، ولا مشاركة فيما بينه وبين سائر الحيوانات فيها كالعلم بالأمور الخبرية التي تحتاج إلى ممارسة كالعلم بانكسار الزجاج وإغراق الماء وإحراق النار وغير ذلك، ونحو العلوم النظرية فإنها متولدة عن المقدمات الضرورية وحاصلة عنها، فحصل من مجموع ما ذكرناه هنا أن تميز الإنسان بهذا العقل عما سواه من المخلوقات يكون بخاصيتين:

الخاصة الأولى: العلم، وأشرف أنواع العلم العلم بالله تعالى وصفاته الذاتية كالعالمية والقادرية وسائر الصفات وعلوم الحكمة في أفعاله فإن بإحراز هذه العلوم يحصل كمال الإنسان، وفي كماله إحراز السعادة الأخروية والفوز بجوار الله في دار كرامته.

الخاصة الثانية: الحكمة، ونعني بها حالة للعقل يدرك بها الصواب من الخطأ في جميع أفعاله فتكون مطابقة لمناهج الحق ومسلك الصواب وإليه إشارة بقوله عز وجل: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً).

فلا فضل له إلا بإحراز هذين الأمرين. ومصداق ما قلناه أن الإنسان من حيث أنه يتغذى وينمو فهو نبات، ومن حيث أنه يحس ويترحك بالاختيار فهو حيوان، ومن حيث الصورة والقامة فهو كالصورة الحاصلة من شمع أو خشب، وإنما خاصيته معرفة حقائق الأشياء فمن استعمل جميع أعضائه وقواه على جهة الاستعانة بالعقل ثم العلم والعمل فقد تشبه بالملائكة فحقيق أن يكون لاحقاً بهم، وجدير أن يسمى ملكاً كما قال تعالى: (إن هذا إلا ملك كريم).

 ومن صرف همته إلى اتباع اللذات البدنية وترك عقله، وأخذ يأكل كما تأكل الأنعام فقد انحط إلى حضيض البهائم فيصير إما غمراً كالثور، وإما شرهاً كالخنزير، وإما عاقراً كالكلب، وإما حقوداً كالجمل أو متكبراً كالنمر، أو ذا روغان كالثعلب، أو يجمع ذلك كله كالشيطان المريد.

 وما من إنسان فكر وشغل عقله وعمل به على الطاعة لله تعالى إلا وصل به إلى السعادة الدنيوية والأخروية فيكون لقاء الله مقصده والدار الآخرة مستقرة والدنيا مزرعته فمن أجل ذلك كان الإنسان متميزاً بما ذكرناه وأما الأمثلة فاعلم أن لله عز وجل قد ركب الإنسان تركيباً عجيباً وقومه في أحسن تقويم وأكرمه بالعقل ليستنير فلنذكر الأمثلة الدالة على نهاية الحكمة فيه.

مثل العقل كمثل فارس متصيد فالشهوة كالفرس والغضب بمنزلة الكلب، فمتى كان الفارس حاذقاً والفرس مروضاً والكلب مؤدباً معلماً كان جديراً بالنجاح، ومتى كان الفارس أخرق وكان الفرس جموحاً والكلب عقوراً فلا فرسه منقاد لحاجة ولا كلبه يسترسل بإشارته مطيعاً فهو خليق بأن يعطب فضلاً عن أن ينال ما طلب، فخرق الفارس مثل لجهل الإنسان وقلة حكمته، وجماح الفرس مثل لغلبة الشهوة في البطن والفرج، وعقر الكلب مثل الغضب واستيلائه، فهذا المثال الذي أوردناه لعظمة العقل وتركيبه، وفائدته إذا عمل الإنسان بها في جميع أموره الدنيوية والأخروية وماذا يحصل له إذا ترك العمل به، وأما جنود العقل فاعلم أخي القارئ الكريم أن لله تعالى يقول: (وما يعلم جنود ربك إلا هو) وقال: (صلى الله عليه وآله وسلم): (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) فالعقل في حكم الملك، والجنود في حكم الخدم والأعوان، فهذه هي فائدة الجند ومعناه فاليد والرجل والعين والأذان واللسان وسائر الأعضاء جميعها خادمة للعقل ومسخرة له وهو المتصرف فيها والمردد لها، وقد خلقت مجبولة على طاعة العقل لا تستطيع خلافاً له ولا تمرداً عليه، فإذا خالفته وتركت الاستعانة به وحكَّم صاحبه على نفسه الغضب وقوة الشهوة هلك يقيناً وخسر خسراناً مبيناً وهذا حال أكثر الناس في هذا الزمان فإن عقولهم صارت مسخرة لشهواتهم في استنباط الحيل لقضاء أوطار الشهوات فضلوا عن طريق النجاة ومالوا عن منهاج الحق والصواب وخلقت النفوس مطيعة للشهوات العاجلة وإيثارها عن ما سواها.

وفي الأخير فاعلم أخي القارئ الكريم إذا لم يعمل الإنسان بعقله الذي كرمه الله تعالى به عن ما سواه من المخلوقات فإنه سوف يعيش دائماً ذليلاً تابعاً لغيره يتحكم به كيف ما يشاء في شئون أموره الدنيوية والأخروية وهو لا يفقه من ذلك شيئاً وتكون حال نفسه كما قال تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم)، ومتى كانت النفس مطيعة للعقل كانت كما قال الله عز وجل: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)

والحمد لله رب العالمين

بواسطة : thakafatuna

شاهد جميع مقالات

مقالات ذات صلة

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك المُفضل

إستفتاء

مارأيك بالشكل الجديد للمجلة ..؟

مشاهدة النتائج

Loading ... Loading ...

القائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية ليصلك كل جديد